صديق الحسيني القنوجي البخاري

113

فتح البيان في مقاصد القرآن

كما ذكر في : إن من أزواجكم ، لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما ، وقدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر ، وترك ذكر الأزواج في الفتنة قال البقاعي : لأن منهن من تكون صلاحا وعونا على الآخرة . وعن أبي بريدة قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق ، ثم صعد المنبر فقال صدق اللّه : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما » « 1 » أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه وابن أبي شيبة . وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي الجنة ، وهي لمن آثر طاعة اللّه وترك معصيته في محبة ماله وولده ، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وابن زيد إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] ، لأن معناه أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر ، فخفف اللّه عنهم وأنزل هذه الآية ، وقال ابن عباس : هي محكمة ولا نسخ فيها ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا فيه حق جهاده ، ولا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، ويقوموا للّه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم ، وقد أوضحنا الكلام على هذا في قوله : ف اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول لأنه لا فائدة في مجرد السماع وَأَطِيعُوا الأوامر قال مقاتل : اسمعوا أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا الرسول فيما يأمركم وينهاكم وَأَنْفِقُوا من أموالكم التي رزقكم اللّه إياها في وجوه الخير والطاعة ولا تبخلوا بها . وقوله : خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ منتصب بفعل مضمر دل عليه اتقوا ، كأنه قال : ائتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم ، أو قدموا خيرا لها ، كذا قال سيبويه وقال الكسائي والفراء ؛ هو نعت لمصدر محذوف ، أي إنفاقا خيرا وقال أبو عبيدة : هو خبر لكان المقدرة أي يكن الإنفاق خيرا لكم ، وقال أهل الكوفة : نصبه على الحال ، وقيل : هو مفعول به لأنفقوا أي فانفقوا مالا خيرا ، والظاهر في الآية الإنفاق مطلقا من غير تقييد بالزكاة الواجبة ، وقيل : المراد زكاة الفريضة ، وقيل : النافلة وقيل النفقة في الجهاد . وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فيفعل في ماله جميع ما أمر به من الانفاق موقنا به

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 227 ، والترمذي في المناقب باب 30 ، والنسائي في الجمعة باب 30 ، والعيدين باب 27 ، وابن ماجة في اللباس باب 20 ، وأحمد في المسند 5 / 354 .